ابن العربي

473

أحكام القرآن

وقوله : فإنما دخل الاستثناء على ما يتضمّنه اللفظ من استحقاق المأثم فقد « 1 » بينّا أنّ اللفظ ليس فيه لذلك ذكر حقيقة ولا مجازا ؛ وإنما يؤخذ الإثم من دليل آخر ، وقد أشرنا نحن إلى حقيقته في أول الأمر . وقد قال بعض النحارير : إنّ الآية نزلت في سبب ؛ وذلك أنّ أسامة لقى « 2 » رجلا من المشركين في غزاة فعلاه بالسيف ، فقال : لا إله إلا اللّه ؛ فقتله ؛ فلما بلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : أقتلته بعد أن قال : لا إله إلا اللّه ؟ فقال : يا رسول اللّه ، إنما قالها متعوّذا . فجعل يكرّر عليه : أقتلته بعد أن قال : لا إله إلا اللّه ؟ قال : فلقد تمنّيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم . فهذا قتل متعمّدا مخطئا في اجتهاده ؛ وهذا نفيس . ومثله قتل أبى حذيفة يوم أحد ، فمتعلّق الخطأ غير متعلق العمد ، ومحلّه غير محله ؛ وهو استثناء منقطع أيضا منه ؛ ولذلك قالت جماعة : إنّ الآيتين نزلت في شأن مقيس بن صبابة ، فإنه أسلم هو وأخوه هشام فأصاب هشاما رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت ، وهو يرى أنه من العدوّ ، فقتله خطأ في هزيمة بنى المصطلق من خزاعة ، وكان أخوه مقيس بمكة ، فقدم مسلما فيما يظهر . وقيل : لم يبرح من المدينة فطلب دية أخيه ، فبعث معه النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا من فهر إلى بنى النجّار في ديته ، فدفعوا إليه الدية مائة من الإبل ، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين إلى المدينة قتل مقيس الفهري ، وارتدّ عن الإسلام ، وركب جملا منها ، وساق معه البقية ، ولحق كافرا بمكة ، وقال : شفى النفس أن قد مات بالقاع مسندا * يضرج في ثوبيه دماء الأخادع وكانت هموم النفس من قبل قتله * تلمّ فتحمينى وطاء المضاجع ثأرت به فهرا وحمّلت عقله * سراة بنى النجّار أرباب فارع حللت به وترى وأدركت ثؤرتى « 3 » * وكنت إلى الأوثان أوّل راجع

--> ( 1 ) في ا : قد . ( 2 ) في ابن كثير : 1 - 534 : نزلت في عياش بن أبي ربيعة ، وقيل نزلت في أبى الدرداء . ثم قال : وهذه القصة في الصحيح لغير أبى الدرداء . ( 3 ) في اللسان : وأدركت ثأرى واضطجعت موسدا